فخر الدين الرازي

38

تفسير الرازي

سورة البينة وهي ثمانية آيات مدنية بسم الله الرحمن الرحيم * ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) * . * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ، رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة ، فيها كتب قيمة ، وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) * . إعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي في كتاب البسيط : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً ، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء ، ثم إنه رحمه الله تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها وأنا أقول : وجه الإشكال أن تقدير الآية : * ( لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة ) * التي هي الرسول ، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم ، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه ، فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين ، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول ، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ، ثم قال بعد ذلك : * ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) * وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام ، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر ، هذا منتهى الإشكال فيما أظن والجواب : عنه من وجوه أولها : وأحسنها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف . وهو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان ، كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل . وهو محمد عليه السلام ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ، ثم قال : * ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) * يعني